الجويدية شاهد على تاريخ الحضارة بقلم حسن سالم العقيلي

الجويدية شاهد على تاريخ الحضارة بقلم حسن سالم العقيلي

تاريخ النشر : الخميس 12:00 22-9-2005

«الجويدية» وليس الجويدة التسمية الصحيحة لهذه البلدة الواقعة جنوب العاصمة عمان والتابعة لها.. وهذه التسمية «الجويدية» كانت متداولة على السنة اهلها وهذا مما يثبت الاسم، ولا تزال تلفظ لدى البعض منهم للان وبعد، وهي الأصح لفظا ومعنى وهذا ما سأبينه لاحقا.
ويأتي الحديث عنها لاضيف جديدا حول تاريخها المندثر الذي يغفل عنه الكثيرون، وذلك لعدم وجود مؤرخين لهذه المناطق -وإن وجد- فينقصهم البحث الدقيق عن المعلومة والتحري، ويلجأون الى الاعتقاد والتخمين، ويبتعدون عن الحقيقة.
وهذا الجديد حولها يتمثل في معرفة سبب التسمية، وتبيان الحالة التي كانت عليها هي وغيرها من المناطق المجاورة في فترات مختلفة من التاريخ وما تعانيه في حاضرها من هموم ومشاكل.
ومنطقة البلقاء في التاريخ القديم كانت تشمل المفرق والزرقاء والسلط ومادبا والكرك «بلاد مؤاب».. ثم تقلصت فيما بعد لتشمل ما بين الزرقاء «زرقاء شبيب» والزرقاء «زرقاء ماعين» جنوب مادبا. وفي العصر الحديث اقتصرت على محافظة البلقاء «السلط وضواحيها».
والجادية هي من مناطق البلقاء التاريخية وقد ذكرها المؤرخون والجغرافيون القدامى على انها من قرى البلقاء، وذكر معها من المدن والقرى: عمان والموقر والرقيم والقسطل وزيزيا والفدين «المفرق» والازرق والزرقاء والصلت «السلط» والعذف والعنفران ومادبا وحسبان وذيبان وشابك الموقع القريب من زيزيا وليست الشوبك كما اعتقد مؤلف كتاب «تاريخ الاردن في عهد الامويين ضمن سلسلة منشورات تاريخ الاردن»، ومناطق اخرى تغيرت تسميتها من مثل: ابو علندا وخريبة السوق وجاوا وام الحيران وام العمد وام البساتين وام الرصاص وكان اسمها «ميفعة» وام الوليد والقويسمة وسحاب وام الكندم وغيرها الكثير من الحزب والقرى المنتشرة في مختلف الانحاء وقد خربت ودمرت وقتل من اهلها الكثير، وتشرد ما تبقى منهم في بداية حكم العباسيين وذلك لمناصرتهم للامويين، وغادروها الى الاندلس.. وبقي القليل منهم ممن التجأ او احتمى هنا او هناك.. فالجويدية هي تصغير «الجادية» وهو اللفظ الانسب والاصوب لغة وتاريخا.. وتسميتها بالجويدة خطأ وبعيد عن الصواب وهو تحريف او تصحيف كما حرف كثير من الاسماء.
انها «الجادية» ولا غير، وتصغير الجادية هو «الجويدية». وتذكر كتب التاريخ انها تعرضت هي وغيرها لهزات وزلازل عنيفة اكثر من مرة، اضافة الى الهزات السياسية التي عصفت بها وبأهلها في فترة ما من التاريخ، كما اصاب اهلها الاوبئة والامراض الفتاكة واشهرها الطاعون والجدري.. وبمقابل ذلك فقد تمتعت مناطق البلقاء بالثراء العريض، فكانت مطامع للصوص ورجال الليل من امثال: الخطيم العكلي، وتليد الضبي، والأحيمر السعدي، فكانوا يسرقون الابل والغنم والغلال، وهذه المناطق كانت مضرب المثل في جودة حبوبها وضأنها.
وهناك قرى كثيرة في عهد بني امية كانت موطن القبائل العربية منها ما هو باق، ومنها ما هو مهجور، ومنها الخراب، وبقيت آثارا دارسة تحكي للزمن قصص المجد الغابر.
والمواقع التي اشرت اليها قد خلدها الشعراء الكبار في العهد الاموي كجرير وكثير عزة وعدي بن الرقاع ومزاحم العقيلي، ولما تسلم العباسيون الخلافة تعرضت مناطق البلقاء المزدهرة للتدمير والخراب والقتل والتشريد وبقيت هذه المنطقة -منطقة البلقاء- على حالها ردحا من الزمن حتى جاء الحكم الفاطمي فشهدت بعض الحواضر ازدهارا واستقرارا نسبيا وقد انتشر فيها المذهب الشيعي.. ثم تعرضت من جديد للقتل والتشريد والخراب واضحت ممرا لقوافل الحج والتجارة التي تتعرض عادة لاعتداءات قطاع الطرق.. فهي ممر لا مستقر وانقطعت عن التاريخ وبقيت خرائبها ماثلة للعيان حتى الان شاهدة على المصير التي آلت اليه.
وبقيت هكذا حتى رأت النور والاستقرار مع بدايات العشرينيات من القرن العشرين مع تأسيس امارة شرق الاردن وعاد لها الاستقرار التدريجي مع توالي الايام ومضي السنين.. واخذت بسهم وافر من الحضارة والتقدم والنظام.
وخير شاهد على ذلك العاصمة «عمان» حيث بقيت منقطعة عن التاريخ واطلالا دارسة وموردا للقبائل لسيلها المعروف ثم بدأ الاستيطان فيها تدريجيا وزاد مع قدوم قبائل الشركس وبعض العائلات من الشام وفلسطين، ثم ازدهرت اكثر بعد قدوم الامير عبدالله آنذاك «الملك» فيما بعد وأسس الدولة الاردنية فغدت عاصمة الاردن، ومن هنا جاء المثل القائل «علمك بعمان قرية» وهذا اشارة الى ازدهارها وتطورها.
ان هذا التسلسل السريع لبعض الاحداث، والاشارات العابرة اليها، انما يحتاج الى دراسات جادة وابحاث مستفيضة، ولأبين -وهو موضوع الحديث- ان الجويدية هي الجادية بلا ادنى شك، ولم يتطرق لهذه المعلومة احد سواء من اهلها او من المؤرخين المحدثين، وانما هو استنتاج مني ربطت فيه بين اللغة والتاريخ.
والجادية تقع على الطريق الروماني «طريق مادبا الحالي» الذي يربط عمان بالكرك، وقد تكون مأخوذة من الجادة «جادة الطريق» كما ان غرب الجادية «الجويدية» تقع بلدة «البنيات» وتعني لغة الطرق الفرعية الصغيرة، كما ان المواقع القريبة منها لا تزال تحتفظ بتسمياتها، فالرقيم الى الشرق منها باقية وفيها موقع اهل الكهف التي وردت قصتهم في القرآن الكريم.. وجاوا الى الجنوب منها هي بلا شك «الجوية» التي ذكرها شاعر الرسول عليه السلام حسان بن ثابت عندما زار الشام في العصر الجاهلي ليمدح ملوك الغساسنة..
اولم تكن خريبة السوق القريبة من «الجويدية» سوقا عامرة ومزدهرة وتعج بالحركة.. فلا تزال بقايا قصورها ومحالها وشوارعها ماثلة للعيان؟
ومن مواقع البلقاء ممن تحتفظ باسمها القديم نذكر: عمان والسلط والموقر وزيزاء والقسطل وشابك ومادبا وحسبان وذيبان وماسوح.
وهناك الكثير من القرى مما تغير اسمها وخاصة المتصدرة بأب او ام: ام قصير وابو علندا وام البساتين وام العمد وام الكندم.
ونستدل على الاحداث التي مرت بها هذه المنطقة في العهود السابقة من خلال ما نرى من كثرة واضحة في الخرائب والمقابر والدفن الجماعي والرجوم والرسوم، فأنى حفرت وجدت عظاما متراكمة وترابا مختلفا لونه يدل على انه مجبول بالدماء.. ومن هنا ندرك سبب تصغير هذه المواقع فيما بعد وللتصغير معانيه عند العرب ومنها التقليل، فتصغير «جادية» هو «جويدية» تماما مثلما نقول في تصغير «نادية» نويدية.
كما ونلحظ الكثرة في الاسماء المصغرة للقرى حول عمان خاصة ومناطق البلقاء بعامة وهي: القويسمة والجبيهة والرصيفة وصويلح والمشيرفة والذهيبة والنقيرة.
والجويدية فيها من الآثار ما يدل على انها ضاربة في القدم، فهي تزخر بالابار «الكفرية» المشيدة منها للماء ومنها للغلال وهي متسعة، والاجران المحفورة من الحجر الابيض الصلد، وبقايا القصور والعمائر المنحوتة من الحجارة وتجدها متناثرة واكثرها مدفون تحت الارض وتحت المباني الحديثة، بالاضافة الى المقابر والمغاور التي تدل على تعاقب الناس في فتراتها التاريخية ويوجد شرقها القصير «قصير السهل» الذي يقبع في مكان منزو مهمل داهمته المشاريع والمصانع التي انتشرت على الاراضي الزراعية الخصبة - وقد ضاع وسط العمران العشوائي، وقد سرقت حجارته الكورنيثية الموردة الجميلة دونما علم.
والى الشمال الشرقي من الجويدية هناك بقايا قصر قديم في الموقع المسمى «رجم العباسية» ويقع شرقي لواء الملك الحسين بن طلال وفي الحي الشرقي وبالقرب من البركة بقايا قصر قديم نقلت انقاضه في بدايات القرن الماضي لبناء علالي وسور ابو جابر وكانا من معالم الجويدية الحديثة الا انهما طمسا وتهدما في الثمانينات ولحقا بالآثار القديمة ولاسباب غير معروفة وليس هناك مبرر لهدمهما، والى الجنوب منها هناك خربة «ام زعرورة القصيا» وهي مبان قديمة مهدمة وقد غزتها مناشير الحجر.
والجويدية الان ومع زوال معالمها القديمة والحديثة نسبيا تبدو حديثة العهد، وليس هناك ما يدل على قدمها سوى تربتها الرمادية، وهذه المعالم لو بقيت لأصبحت شواهد دالة على قدمها وتاريخها، ولو رممت لأضحت متحفا رائعا للتراث يحوي مقنيات الناس القديمة واعني بذلك «العلالي والسور».

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }